فصل: تفسير الآيات (1- 12):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (23- 38):

{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)}
{إِنْ هِىَ} ما الأصنام {إِلاَّ أَسْمَاء} ليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشذ منافاة لها {سَمَّيْتُمُوهَا} أي سميتم بها يقال سميته زيداً وسميته بزيد {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان} حجة {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} إلا توهم أن ما هم عليه حق {وَمَا تَهْوَى الأنفس} وما تشتهيه أنفسهم {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى} الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به {أَمْ للإنسان مَا تمنى} هي (أم) المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله: {وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى} [فصلت: 50]. وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي {فَلِلَّهِ الآخرة والأولى} أي هو مالكهما وله الحكم فيهما يعطى النبوة والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمني.
{وَكَمْ مّن مَّلَكٍ في السماوات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَاء ويرضى} يعني أن أمر الشفاعة ضيق فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئاً قط، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلاً لأن يشفع له فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة} أي كل واحد منهم {تَسْمِيَةَ الأنثى} لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى.
{وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي بما يقولون وقرئ بها أي بالملائكة أو التسمية {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} هو تقليد الآباء {وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً} أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا} فأعرض عمن رأيته معرضاً عن ذكر الله أي القرآن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا * ذلك} أي اختيارهم الدنيا والرضا بها {مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم} منتهى علمهم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى} أي هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما.
{وَلِلَّهِ مَا في السماوات وَمَا في الأرض لِيَجْزِىَ الذين أسائوا بِمَا عَمِلُواْ} بعقاب ما عملوا من السوء أو بسبب ما عملوا من السوء {وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى} بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب الأعمال الحسنى، والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء {الذين} بدل أو في موضع رفع على المدح أي هم الذين {يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم} أي الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها، {كَبِيرٌ} حمزة وعلي أي النوع الكبير منه {والفواحش} ما فحش من الكبائر كأنه قال: والفواحش منها خاصة.
قيل: الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد {إِلاَّ اللمم} أي الصغائر والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة {إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة} فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ} أي أباكم {مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جنين {فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى} فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس.
{أَفَرَأَيْتَ الذي تولى} أعرض عن الإيمان.
{وأعطى قَلِيلاً وأكدى} قطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر وهو أن تلقاه كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر. عن ابن عباس رضي الله عنهما: فيمن كفر بعد الإيمان. وقيل: في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين وقال له: تركت دين الأشياخ وزعمت أنهم في النار. قال: إني خشيت عذاب الله. فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه {أَعِندَهُ عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى} فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} يخبر {بِمَا في صُحُفِ موسى} أي التوراة {وإبراهيم} أي وفي صحف إبراهيم {الذى وفى} أي وفر وأتم كقوله {فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية. وقرئ مخففاً والتشديد مبالغة في الوفاء. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به، وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الضحى»
ورُوي: «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ} إلى {حِينٍ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18]» وقيل: وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون: عشرة في (التوبة) {التائبون} [التوبة: 112]، وعشرة في (الأحزاب) {إِنَّ المسلمين} [الآية: 35] وعشرة في (المؤمنين) {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} [المؤمنون: 1] ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال: {أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى} تزر من وزر يزر إذا اكتسب وزراً وهو الإثم، و(إن) مخففة من الثقيلة والمعنى أنه لا تزر والضمير ضمير الشأن ومحل (أن) وما بعدها الجر بدلاً من {مَا في صُحُفِ موسى} أو الرفع على هو أن لا تزر كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: {أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى} أي لا تحمل نفس ذنب نفس.

.تفسير الآيات (39- 62):

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)}
{وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} إلا سعيه وهذه أيضاً مما في صحف إبراهيم وموسى، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه فقد قيل: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى} أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه {ثُمَّ يُجْزَاهُ} ثم يجزى العبد سعيه. يقال: جزاه الله عمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء. ثم فسره بقوله {الجزاء الأوفى} أو أبدله عنه {وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى} هذا كله في الصحف الأولى. والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء أي ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه كقوله: {وإلى الله المصير} [آل عمران: 28] {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} خلق الضحك والبكاء. وقيل: خلق الفرح والحزن. وقيل: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب و{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} قيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء، أو أمات بالكفر وأحيا بالإيمان، أو أمات هنا وأحيا ثمة {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى} إذا تدفق في الرحم يقال منى وأمنى {وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى} الإحياء بعد الموت {وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى} وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك.
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى} هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر وكانت خزاعة تعبدها، فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى} هم قوم هود وعاد الأخرى إرم {عَادٍ الولى} مدني وبصري غير سهل بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة {أُوْلِى} ونقل ضمتها إلى لام التعريف {وَثَمُودَاْ فَمَا أبقى} حمزة وعاصم الباقون {وَثَمُودَاْ} وهو معطوف على {عَاداً} ولا ينصب ب {فَمَا أبقى} لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لا تقول: زيداً فضربت، وكذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم.
{وَقَوْمَ نُوحٍ} أي أهلك قوم نوح {مِن قَبْلُ} من قبل عاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى} من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حرام وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه {والمؤتفكة} والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهم قوم لوط يقال: أفكه فأتفك {أهوى} أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها و{المؤتفكة} منصوب ب {أهوى} {فغشاها} ألبسها {مَا غشى} تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود {فَبِأَىّ الآء رَبّكَ} أيها المخاطب {تتمارى} تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك {هذا نَذِيرٌ} أي محمد منذر {مّنَ النذر الأولى} من المنذرين الأولين.
وقال: {الأولى} على تأويل الجماعة أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم {أَزِفَتِ الآزفة} قربت الموصوفة بالقرب في قوله: {اقتربت الساعة} [القمر: 1] {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ} أي ليس لها نفس كاشفة أي مبينة متى تقوم كقوله: {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 187]. أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه لا يكشفها {أَفَمِنْ هذا الحديث} أي القرآن {تَعْجَبُونَ} إنكاراً {وَتَضْحَكُونَ} استهزاء {وَلاَ تَبْكُونَ} خشوعاً {وَأَنتُمْ سامدون} غافلون أو لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه {فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا} أي فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا الآلهة، والله أعلم.

.سورة القمر:

.تفسير الآيات (1- 12):

{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)}
{اقتربت الساعة} قربت القيامة {وانشق القمر} نصفين. وقرئ {وَقَدْ انشق} أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وقيل: معناه ينشق يوم القيامة. والجمهور على الأول وهو المروي في الصحيحين. ولا يقال لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواتراً لأن الطباع جبلت على نشر العجائب لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم {وَإِن يَرَوْاْ} يعني أهل مكة {ءايَةً} تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {يُعْرِضُواْ} عن الإيمان به {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى {وَكَذَّبُواْ} النبي صلى الله عليه وسلم {واتبعوا أَهْوَاءهُمْ} وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره {وَكُلُّ أَمْرٍ} وعدهم الله {مُّسْتَقِرٌّ} كائن في وقته. وقيل: كل ما قدر واقع. وقيل: كل أمر من أمرهم واقع مستقر أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} أهل مكة {مّنَ الأنباء} من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} ازدجار عن الكفر. تقول: زجرته وازدجرته أي منعته وأصله ازتجر ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء حرف مجهور وهو الدال ليتناسبا وهذا في آخر كتاب سيبويه {حِكْمَةٌ} بدل من (ما) أو على (هو حكمة) {بالغة} نهاية الصواب أو بالغة من الله إليهم {فَمَا تُغْنِى النذر} (ما) نفي و{النذر} جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به أو النذر مصدر بمعنى الإنذار.
{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم. نصب {يَوْمَ يَدْعُ الداع} ب {يُخْرِجُونَ} أو بإضمار اذكر. {الداعى}، {إلى الداعى} سهل ويعقوب ومكي فيهما، وافق مدني وأبو عمرو في الوصل، ومن أسقط الياء اكتفى بالكسرة عنها. وحذف الواو من {يَدْعُو} في الكتابة لمتابعة اللفظ، والداعي إسرافيل عليه السلام {إلى شَئ نُّكُرٍ} منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثلة وهو هول يوم القيامة {نُّكُرٍ} بالتخفيف: مكي {خُشَّعاً أبصارهم} {خاشعا} عراقي غير عاصمٍ وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار، وذكر كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعاً على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول (أكلوني البراغيث). ويجوز أن يكون في {خُشَّعاً} ضميرهم وتقع {أبصارهم} بدلاً عنه، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث} من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} في كثرتهم وتفرقهم في كل جهة.
والجراد مثل في الكثرة والتموج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد {مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع} مسرعين مادي أعناقهم إليه {يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ} صعب شديد.
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} نوحاً عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وازدجر} زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالشتم وهدد بالقتل، أو هو من جملة قيلهم أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى} أي بأني {مَغْلُوبٌ} غلبني قومي فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي {فانتصر} فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم {فَفَتَحْنَا أبواب السماء} {فَفَتَحْنَا} شامي ويزيد وسهل ويعقوب {بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً {وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً} وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك (وفجرنا عيون الأرض) {فَالْتَقَى الماء} أي مياه السماء والأرض وقرئ {الماءان} أي النوعان من الماء السماوي والأرضي {على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} على حال قدرها الله كيف شاء أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.